ابن قيم الجوزية

358

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وأما تعلق الرجاء بمراده دون مراد سيده : فهو إنما علقه بمراده المحبوب له ، هاربا من مراده المسخوط المكروه له . وعلى تقدير أن يكون محبوبا له - إذا كان انتقاما - فالعفو والفضل أحب إليه منه . فهو إنما علق رجاءه بأحب المرادين إليه . وأما كون الرجاء اعتراضا على ما سبق به الحكم : فليس كذلك . بل تعلقا بما سبق به الحكم . فإنه إنما يرجو فضلا وإحسانا ، ورحمة سبق بها القضاء والقدر وجعل الرجاء أحد أسباب حصولها . فليس الرجاء اعتراضا على القدر ، ولا معارضة للقدر . بل طلبا لما سبق به القدر . وأما اعتراضه إذا لم يحصل له مرجوه : فهذا نقص في العبودية ، وجهل بحق الربوبية . فإن الراجي والداعي يرجو ويدعو فضلا لا يستحقه ، ولا يستوجبه بمعاوضة . فإن أعطيه فمحض المنة والصدقة عليه ، وإن منعه فلم يمنع حقا هو له . فاعتراضه رعونة وجهالة . ولا يلزم من فوات المرجو ، أو عدم حصول المدعو به في حق العبد الصادق ، معارضة ولا اعتراض . وقد سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ربه تبارك وتعالى ثلاث خصال لأمته . فأعطاه اثنتين ومنعه واحدة . فرضي بما أعطاه . ولم يعترض فيما منعه بل رضي وسلّم « 1 » . وأما كون الرجاء وقوفا مع الحظ ، وأصحاب هذه الطريقة قد خرجوا عن نفوسهم فكيف حظوظهم ؟ . فيا للّه العجب ! أي رعونة فيمن يجعل رجاء العبد ربه ، وطمعه في بره وإحسانه وفضله ، وسؤاله ذلك بقلبه ولسانه ؟ فإن الرجاء هو استشراف القلب لنيل ما يرجوه . فإذا كان العبد دائما مستشرفا بقلبه ، سائلا بلسانه ، طالبا لفضل ربه . فأي رعونة ههنا ؟ وهل الرعونة كل الرعونة إلا خلاف ذلك ؟ . ومن العجب : دعواهم خروجهم عن نفوسهم . وهم أعظم الناس عبادة لنفوسهم . وليس الخارج عن نفسه إلا من جعلها حبسا على مراد اللّه الديني الأمري النبوي . وبذلها للّه في إقامة دينه . وتنفيذه بين أهل العناد والمعارضة والبغي . فانغمس فيهم يمزقون أديمه ، ويرمونه بالعظائم ، ويخيفونه بأنواع المخاوف ، ويتطلبون دمه بجهدهم ، لا تأخذه في جهادهم في اللّه لومة لائم . يصدع بالحق عند من يخافه ويرجوه ، قد زهد في مدحهم وثنائهم . وتعظيمهم وتشييخهم له ، وتقبيل يده وقضاء حوائجه . يصيح فيهم بالنصائح جهارا . ويعلن لهم بها . ويسر لهم إسرارا . قد تجرد عن الأوضاع والقيود والرسوم . وتعلق بمراضي الحي القيوم . مقامه ساعة في جهاد أعداء اللّه . ورباطه ليلة على ثغر الإيمان ، آثر عنده وأحب إليه « 2 » من فناء ومشاهدات وأحوال هي أعظم عيش النفس وأعلى قوتها ، وأوفر حظها . ويزعم أنه قد خرج عن نفسه فكيف حظها ؟ ولعله قد خرج عن مراد ربه من عبوديته إلى عين مراده . وهو حظه . ولو فتش نفسه لرأى ذلك فيها عيانا .

--> ( 1 ) قال صلى اللّه عليه وسلم : « سألت اللّه أن لا يبعث على أمتي عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم . فأعطاني ذلك . وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم . فمنعني » . ( 2 ) كل ذلك يصدق كل الصدق على شيخ الإسلام ، إمام المجاهدين المجتهدين في وقته : أحمد بن تيمية . وتلميذه الإمام ابن القيم رحمهما اللّه وغفر لهما . ورضي عنهما . وحشرنا في زمرتهما مع المجاهدين العارفين الصادقين الصابرين .